الاثنين، 3 مارس، 2008

كرة الثلج


زوجتي من أصول نازية !!!
ـ قالها لي الزوج النحيف بصوت خافت ، وعينيه تمسح المكان خشية أن يكون أحدهم قد التقط كلمة أو أكثر فيطير بها إلى مترقب يبحث عن سبب وجيه للتعذيب .
ـ فقلت له مستفسرا : تقصد أنها من أصول ألمانية ؟ .

ـ فنظر إلى في حدة ، وقرأت في عينية علامات خيبة الأمل من الأستاذ الذي ( لا يفهمها وهي طائرة ) وقال وهو يضغط على كل حرف من عبارته : بل نازية ؟!


رائع هو الزواج الذي يجعل المرء منا يرى حقب التاريخ باختلافها داخل جدران بيته الأربعة .


ـ فقلت لزائري الوجل وأنا أداري حيرتي : إذن لديك في بيتك ذلك الرسم اللطيف للصليب المعقوف ، وتحيي أهل بيتك بتحية الفوهلر الشهيرة .
ـ فانفجر الرجل منفعلا : هل تتصور رجلا يعيش في الجحيم ؟ . إنه أنا .
تحاصرني زوجتي بالمشكلات ، وتكبلني بقيود من الهموم والآلام التي لا تجعلني أهنأ أو أرتاح لدقائق ألتقط فيها أنفاسي كي أواصل رحلتي الكادحة من أجل توفير لقمة العيش لها ولأبنائنا .
مهما فعلت لا ترضى ، لا أدري ماذا تريد مني ، إنها تريد قتلي .


إنها الزوجة النكدية إذن .. لكنها نكدية بشكل مروع ، فالرجل على وشك الجنون .


ـ فقلت لزائري بتعاطف : عظم الله أجرك ، وصبرك على فداحة مصابك ، احك لي يا صديقي عن المشكلات التي تنشئ بينكم ، وابدأ بالمصائب العظيمة ، هيا كلي آذان مصغية .
ـ صمت الرجل في حيرة ثم قال : بيتي الذي يجب أن أرتاح فيه سيرك ، غير مهيأ للراحة ، أبنائي الذين حلمت بهم يستقبلوني في مرح وسعادة ، تهيئهم أمهم في طابور عرض كي يستقبلوني بجملة مصائبهم طوال اليوم .
غرفة النوم ، ذلك المكان الذي يفترض أن يشتاق إليه المرء كي يرتاح فيه من جملة تعبه وآلامه صار غرفة اعتراف وتعذيب ، تمارس فيها كل أشكال وألوان الصراخ والتأنيب ، وتسكن في كل زاوية منه قطط الشكوك وسوء الظن .
ـ فقلت لصاحبي المستجير : ما هي أسوء صفات زوجتك ؟
ـ فقال وقد أدهشه سؤالي : كثر .. لا يمكنني التحديد .
ـ فقلت : لا لا يجب أن تعطيني 5 صفات أو أكثر ، إنها من أصول نازية يا رجل ، إذن لن تعجز عن استدعاء صفات تقشعر البدن .
ـ فأجابني مرتبكا : لا هي ليست شريرة ، ولا يمكنني وصمها بالخيانة أو الاستهتار أو تدمير حياتنا بقصد ، لكنها المشكلات الصغيرة المتكررة ، والتي أصبحت من كثرتها كالأشواك التي تغطي أرض حياتنا ، ما إن تخطو خطوة إلا وتصيبك بجرح يدميك .
ـ فقلت مؤكدا على كلامه : إذن هي ليست شريرة .. ليست كارهة لك .. لا تحمل تلك الصفات التي تستحق أن يطلقها المرء من أجلها .
ـ فقال بسرعة : نعم .. لكنها في الوقت نفسه قادرة بشكل غريب على إحالة حياتي إلى جحيم ، وبأدوات بسيطة .

حسنا إنها حالة أخرى من حالات كرة الثلج المنطلقة !


كلنا يلتفت وبقوة إلى المشكلات الحياتية الكبيرة والضخمة ، ولا نلقي بالا بجملة المشكلات البسيطة التي تسيطر على حياتنا وتحاصرنا لتفاهتها وقلة شأنها .
لكننا وللأسف الشديد وبعد فترة من الزمن نجد أن تلك المشكلات وبتراكمها أصبحت ككرة الثلج التي بدأت صغيرة ثم أصبحت تكبر وتكبر كلما التصق بها مزيد من القطع الصغيرة .
فجأة نجد أنفسنا أمام كارثة تضج مضجعنا وتحيل حياتنا إلى عذاب وجحيم مستعر ، والسبب مجموعة توافه وصغائر ليست ذات قيمة ، أو هكذا كنا نظن .
صديقي عندما وسم زوجته بأنها نازية ، كان يقصد أنها تتفنن في جعل كل حدث أو موقف أداة لتعكير صفو مزاجه ، وإرهاق عقله وقلبه .
وأذكر حدثا تاريخيا يروى عن بعض الطغاة في التعذيب بواسطة أشياء صغيرة تافه ، لكنها تدفع للجنون ! .
فقد ذكر المؤرخون أن الصينيون كانوا يأتون بالشخص الذي يريدون تعذيبه ، ويضعوه في غرفة مغلقة ، لا يسمع فيها سوى صدى أنفاسه ، ويخلعون عنه ملابسه ، ثم يشدون رباطه في قوة ، ويضعوا أعلى رأسه دلو ملي بالماء ويثقبون هذا الدلو بحيث يُسقط ماءه قطرة قطرة على رأس السجين .
في البداية يكون ألأمر عاديا ، لكنه وبعد فترة طويلة ، يصاب المسكين بالجنون ـ وتتدمر خلايا مخه تماما .
والسبب قطرات ماء تافهة .
وهكذا المشكلات الزوجية التافهة ، تتكرر بشكل يومي رتيب ، فتعمل عملها في تحطيم مقاومتنا ، ونجد أنفسنا عاجزين أمام الطريقة المثلى لمحاربة هذه المشكلة ومحاصرتها .
المصائب الكبيرة كما أنها تكون شديدة الألم إلا أنها تكون واضحة جلية ، ظاهرة المعالم والتضاريس ، ويكون المرء أمامها وجها لوجه ، ويشحذ كل طاقاته وإمكاناته لمواجهتها والتغلب عليها .
أما تلك المشكلات البسيطة المتراكمة فتكبر على غفلة منا وتتضاعف .
ونكون أمامها في حيرة من أمرنا وتساؤل عن الكيفية التي يجب أن نعالج بها هذا الموقف .

ـ والحل يا خبير ؟؟
قالها الزوج البائس بنفاذ صبر وهو ينظر إلى نظرة استنجاد ، فقلت له : الأمر يحتاج منك إلى كثير عناية والتزام . رسولنا صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن ( الحلم بالتحلم ، والعلم بالتعلم ) ، وأنا أقول لك ( والحب كذلك بالتحبب ) .
وكما أن المشكلات الحياتية البسيطة تجمعت حتى صنعت ذلك الغول المخيف الذي أضج مضجع أيامك ، كذلك تفعل الممارسات الرومانسية في إعادة الهدوء والسكينة إليك مرة أخرى .
الأمر يا صديقي بحاجة إلى مساحات جوهرية من الصراحة والحوار والنقاش الجاد مع شريكة أيامك ، يحتاج إلى جلسة ثنائية لا يوجد بها مقاطعات ، يخرج فيها كل طرف ما لديه ، ويشكو كل منكما للآخر ، وستندهش عندما ستجد لديها أيضا ممارسات سيئة تضج مضجعها وتشجعها على فعل تلك الأفعال النازية على حد قولك .
ولا تستعجل التغيير ، امض نحو سعادتك خطوة خطوة ، واستدع من ملفات عقلك الممارسات الرومانسية الجميلة التي هجرتها منذ زمن ، وابدأ في تطبيقها .
وأعيد التأكيد على الحوار ، الحوار يا صاحبي قادر على إعادة الروح إلى حياتك الزوجية ، وأنا متأكد أن أصول زوجتك النازية تلك لم تظهر إلا بعدما هجرتما الحوار ، وأغلقتما الباب أمام جلسات المصارحة والنقاش الزوجي .
لا أعرف كيف أشكرك ؟ .. قالها لي في امتنان أشعرني بحرج حقيقي ، فقلت بتواضع : لا عليك يا صاحبي ، فقط ابدأ من الآن قبل أي وقت آخر في ما قلته لك ؟
وذهب صاحبي منتشيا إلى بيته ، ودعوت الله وهو يغلق باب المكتب ألا أراه قريبا شاكيا لي قسوة المعاملة في سجون الحلفاء !!! .
ملحوظة : كل ما أكتبه في هذه المدونة هو من إبداعي الشخص ، مالم أنوه بعكس ذلك ، لذا أستمحي عذرا كل من يقوم بنقل فقرات إلى منتديات أو مدونات أخرى أن يتفضل مشكورا بذكر المصدر .. وله مني كل الشكر .

هناك 3 تعليقات:

غير معرف يقول...

فيروز
كرة الثلج اسم على مسمى، عندما قرات نصائحك لهذ ا النازي هو بدوره وجدت فيها حكمة المجرب،
انا كوني امراة لا اقف معه كلية بل ربما هو المخطا، فالمراة بطبعها صبورة، وربما هو لم يساعدها على تحمل وزاد عليها، فدائما نظلم المراة ولا نسال الرجل لماذا لم تحنو عليها وتشاركها همومك وسعادتك وتتكلم معها عن عملك ، ما يسعدك ما يؤلمك ، ان تفاجئها بهدية برحلة بكلمة طيبة؟ ونطلب من هذه المراة ان لاتكون نازية؟ يجب على الرجل ان يحاور زوجته يحسسها بان لها كيان لها دور ، وبانها ليست قطعة اثاث او فم جوعان يريد الاكل فقط، المراة تريد الاعتبار والاهتمام اكثر من ذلك،
فحديثك عن الحوار هو الحل بعينه ، والرجل هو الرجل المسؤؤل. اذا اراد السعادة يسعدها ويملا رصيده الفارغ فهي بالتاكيد استنفذت من رصيده كل القيم.

كريم الشاذلي يقول...

أهلا أختي الكريمة : فيروز
مقنع جداً دفاعك عن المرأة ، بيد أننا لسنا في موقف تقاذف الاتهامات ، إن ما وددت الإشارة إليه ، هو خطورة تلك المشكلات البسيطة والصغيرة التي لا نلقي لها بالا في حياتنا ، ثم نجدها بعد فترة تتحول إلى مشكلة كبيرة مستعصية ..

سعيد باستفادتك من معسكر النازيين ، لا حرمنا الله من طلتلك ..
أخوك .. كريم

غير معرف يقول...

اشكرك اخى على ذلك المقال
وما احب ان اقوله ان الرجل دائما يلقى بالاخطاء على زوجته
فى حين انا ارى فعلا كما قلت الحوار هو الذى يحل جميع المشكلات فكل طرف يجب ان يصارح الطرف الاخر بما يزعجه فى تصرفاته ولكن ارى ايضا ان يتم ذلك الحوار بطريقة تدل على الحب وليست كمحاكمة ولا بشكل يدل على تصيد الاخطاء
ويجب ان يتم الحوار فى البداية ولا نترك الامور حتى تكبر وتصبح مشكلات يستعصى معها اى حل

S.M.A